الشنقيطي
45
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ( الملحق ) ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ومنع جواز المجاز في المنزل المتعبد والإعجاز )
وقوله : وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ [ التوبة : 56 ] الآية . إلى غير ذلك من الآيات وما استدل به بعضهم من قتل ابن مسعود لابن النواحة صاحب مسيلمة فيجاب عنه بأنه قتله لقول النّبي صلى اللّه عليه وسلم حين جاءه رسولا لمسيلمة « لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتك » فقتله ابن مسعود تحقيقا لقوله صلى اللّه عليه وسلم « 1 » . فقد روي أنه قتله لذلك فإن قيل هذه الآية الدالة على عدم قبول توبتهم أخص من غيرها لأن فيها القيد بالردة وازدياد الكفر ، فالذي تكررت منه الردة أخص من مطلق المرتد ، والدليل على الأعم ليس دليلا على الأخص لأن وجود الأعم لا يستلزم وجود الأخص . فالجواب : أن القرآن دل على قبول توبة من تكرر منه الكفر ، إذا أخلص في الإنابة إلى اللّه ، ووجه دلالة القرآن على ذلك أنه تعالى قال : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا [ النساء : 137 ] . ثم بين أن المنافقين داخلون فيهم بقوله تعالى : بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً [ النساء : 138 ] الآية . ودلالة الاقتران وإن ضعفها الأصوليين فقد صححتها جماعة من المحققين ، ولا سيما إذا اعتضدت بدلالة القرينة عليها كما هنا لأن قوله تعالى : لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا ( 137 ) بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً فيه الدلالة الواضحة على دخولهم في المراد بالآية ، بل كونها في خصوصهم قال به جماعة من العلماء ، فإذا حققت ذلك ، فاعلم أن اللّه تعالى نص على أن من أخلص التوبة من المنافقين تاب اللّه عليه بقوله : إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً ( 145 ) إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً ( 146 ) ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً [ النساء : 145 - 147 ] . وقد كان مخشي بن حمير رضي اللّه عنه من المنافقين الذين أنزل اللّه فيهم قوله تعالى : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَ بِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ
--> ( 1 ) أخرجه عن ابن مسعود : أبو داود في الجهاد حديث 2762 ، وأحمد في المسند 1 / 384 ، 406 ، والحكم في المستدرك ، كتاب المغازي 3 / 53 .